ابن أبي الحديد
98
شرح نهج البلاغة
وثانيها قوله : " حفظ ما في يديك أحب إلي من طلب ما في أيدي غيرك " ، هذا مثل قولهم في المثل : البخل خير من سؤال البخيل ، وليس مراد أمير المؤمنين عليه السلام وصايته بالإمساك والبخل ، بل نهيه عن التفريط والتبذير ، قال الله تعالى : ( ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) ( 1 ) ، وأحمق الناس من أضاع ماله اتكالا على مال الناس ، وظنا أنه يقدر على الاستخلاف ، قال الشاعر : إذا حدثتك النفس أنك قادر * على ما حوت أيدي الرجال فكذب وثالثها قوله : " مرارة اليأس خير من الطلب إلى الناس " ، من هذا أخذ الشاعر قوله : إن كان طعم اليأس مرا فإنه * ألذ وأحلى من سؤال الأراذل وقال البحتري : اليأس إحدى الراحتين ولن ترى * تعبا كظن الخائب المغرور ( 2 ) ورابعها قوله : " الحرفة مع العفة خير من الغنى مع الفجور " ، والحرفة بالكسر مثل الحرف بالضم ، وهو نقصان الحظ وعدم المال . ومنه قوله " رجل محارف " ، بفتح الراء ، يقول : لان يكون المرء هكذا وهو عفيف الفرج واليد ، خير من الغنى مع الفجور ، وذلك لان ألم الحرفة مع العفة ومشقتها إنما هي في أيام قليلة وهي أيام العمر ، ولذة الغنى إذا كان مع الفجور ، ففي مثل تلك الأيام يكون ، ولكن يستعقب عذابا طويلا ، فالحال الأولى خير لا محالة . وأيضا ففي الدنيا خير أيضا للذكر الجميل فيها ، والذكر القبيح في الثانية ، وللمحافظة على المروءة في الأولى وسقوط المروءة في الثانية .
--> ( 1 ) سورة الإسراء 29 . ( 2 ) ديوانه .